عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
396
اللباب في علوم الكتاب
له : طوبى له عصفور من عصافير الجنّة . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : وما يدريك ؟ إنّ اللّه خلق الجنّة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النّار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم « 1 » . فصل [ في دلالة الآية على مسألة خلق الأعمال ] هذه الآية أيضا تدلّ على مسألة خلق الأعمال ؛ لأنّه تعالى صرّح بأنّه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد على بيان كلام اللّه ، وأيضا أنه لمّا أخبر عنهم أنّهم من أهل النّار ، فلو لم يكونوا من أهل النّار انقلب علم اللّه جهلا ، وخبره الصّدق كذبا ، وكل ذلك محال ومن علم كون الشّيء محالا امتنع أن يريده ، فامتنع أن اللّه تعالى يريد أن لا يدخلهم النار بل يجب أن يريد أن يدخلهم النار ، وذلك هو الذي دلّ عليه لفظ الآية ، وأيضا إنّ القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر فقد أراد أن يدخله النار ، وإن كان قادرا على الكفر والإيمان معا ؛ امتنع رجحان أحد الطّرفين على الآخر لا لمرجح وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبل اللّه تعالى ، فهو المراد . فلمّا كان هو الخالق للدّاعية الموجبة للكفر فقد خلقه للنّار قطعا ، وأيضا : لو خلقه اللّه تعالى للجنّة وأعانه على اكتساب ما يوجب دخول الجنّة ، ثم قدرنا أنّ العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب لدخول النّار ، فحينئذ حصل مراد العبد ، ولم يحصل مراد اللّه تعالى فلزم كون العبد أقدر وأقوى من اللّه ، وذلك لا يقوله عاقل ، وأيضا : إنّ العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار ، وإنّما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الجنّة فلما حصل الكفر ، والجهل على خلاف قصد العبد وضد جدّه واجتهاده ؛ وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من اللّه تعالى . فإن قيل : العبد إنّما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد ؛ لأنّه اشتبه عليه الأمر وظن أنه الحقّ الصّحيح . فنقول : فعلى هذا التقدير إنّما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدّم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السّابق لجهل آخر سابق ، لزم التسلسل ، وهو محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام . قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيرا من الآيات دلت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة . قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] وقال :
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( كتاب السنة ب 17 ) والحميدي ( 265 ) من حديث عائشة .